المَجمعُ الذي لم يَنعقِد

6
المجمع الذي لم ينعقد

استمع إلى محاضرة شرح هذا المقال

هل أغلقَ اليهودُ قانونَ العهدِ القديمِ في يَڤْنِه سنةَ ٩٠م؟

في مِئاتٍ من مُقدِّماتِ دراسةِ العهدِ القديم، وفي كثيرٍ من المنابرِ والكتبِ التبسيطيّة، تتكرَّرُ جملةٌ واحدةٌ بثقةٍ لافتة: «بعدَ أن دُمِّرَ الهيكلُ سنةَ ٧٠م، اجتمعَ الحاخاماتُ في مَجمعٍ بمدينةِ يَڤْنِه — يُسمّونها باليونانيّةِ يَمْنِيا — نحوَ سنةِ ٩٠م، فحسَموا قائمةَ الأسفارِ المقدَّسة، ورفَضوا ما عداها من الأبوكريفا، وأغلَقوا قانونَ الكتابِ العبريِّ إغلاقًا نهائيًّا؛ بل لعلَّهم فعَلوا ذلك ردًّا على المسيحيّةِ الناشئة». إنها صورةٌ مُحكَمةٌ وأنيقةٌ وسهلةُ التدريس: مَجمعٌ، وتاريخٌ محدَّد، وقرارٌ حاسم. غيرَ أنَّ فيها عيبًا واحدًا فقط: كلَّما اقترَبتَ من المصادرِ الأصليّةِ نفسِها، تبخَّرتْ هذه الصورةُ بينَ يديك، حتى لا يكادُ يَبقى منها شيء.

في هذه المقالةِ أدعوكَ إلى أن نطرحَ السؤالَ الذي نادرًا ما يُطرَح: هذا «المَجمعُ» الشهيرُ — هل انعقدَ أصلًا؟ ومن أينَ جاءتْنا صورتُه؟ وماذا يقولُ لنا النصُّ الوحيدُ الذي يُستشهَدُ به في كلِّ مرّة؟

أوّلًا: كيفَ وُلِدتِ الفكرة؟ من جراتس إلى «الإجماع»

أوّلُ ما ينبغي إدراكُه أنَّ «مَجمعَ يَڤْنِه»[1] ليس مُعطًى قديمًا وَرِثناه عن اليهوديّةِ القديمة، بل هو فرضيّةٌ حديثةُ الميلاد. فالمؤرِّخُ اليهوديُّ هاينريش جراتس (Heinrich Graetz) هو أوّلُ من صاغَها سنةَ ١٨٧١، حينَ اقترحَ — بحذرٍ أكبرَ ممّا شاعَ بعدَه — أنَّ مَجمعًا من الحاخاماتِ في يَڤْنِه نحوَ ٩٠م أفضى إلى إغلاقِ القانون.[2] ثم جاءَ عالمُ العهدِ القديمِ فرانتس بول (Frants Buhl) فأشاعَها في علمِ المدخلِ المسيحيِّ سنةَ ١٨٩١، ومن بعدِه هربرت رايل (Herbert Ryle) الذي رسَّخها في العالمِ الناطقِ بالإنجليزيّةِ بعباراتٍ واثقةٍ من نوعِ «نحنُ نعلمُ أنَّ مَجمعًا من الحاخاماتِ عُقِدَ في يَمْنِيا…» — دونَ أن يستندَ إلى نصٍّ واحدٍ يدعمُ ذلك.[3]

ومن هنا تشكَّلَ ما صارَ يُسمّى «الإجماعَ النقديّ» في منتصفِ القرنِ العشرين: التوراةُ أُغلِقتْ نحوَ ٤٠٠ ق.م، والأنبياءُ نحوَ ٢٠٠ ق.م، والكتاباتُ (الأسفارُ الثالثة) أُغلِقتْ في «مَجمعِ يَمْنِيا» نحوَ ٩٠م.[4] حتى إنَّ بروبرت فايفر (Robert Pfeiffer) كتبَ أنَّ السلطاتِ اليهوديّةَ حينَ اجتمعتْ في يَمْنِيا «حدَّدتْ رسميًّا قانونَ الأسفارِ العبريّة، وأعلنتْ أنَّ الإنجيلَ وكتبَ الهراطقةِ ليست كتابًا مقدَّسًا».[5]

لكنِ انتبِهْ إلى مفارقةٍ كاشفة: لقد بيَّنَ ديفيد أوني (David Aune) أنَّ الفيلسوفَ سبينوزا (Spinoza) كانَ قد افترضَ سنةَ ١٦٧٠ أنَّ «مَجمعًا فرّيسيًّا» اختارَ الأسفارَ المقدَّسة — دونَ أن يذكرَ يَمْنِيا أصلًا. والأرجحُ، كما يقولُ أوني، أنَّ سبينوزا ثم جراتس من بعدِه تصوَّرا عمليّةَ تحديدِ الكتابِ العبريِّ على غِرارِ العمليّةِ المَجمعيّةِ التي استخدمتْها الكنيسةُ المسيحيّةُ لتحديدِ قانونِها.[6] بعبارةٍ أخرى: لم يقرأِ العلماءُ صورةَ المَجمعِ في المصادرِ اليهوديّة، بل أسقَطوها عليها من تجربتِهم المسيحيّة؛ حتى إنَّ بعضَهم وصفَ الفرضيّةَ صراحةً بأنها «أسطورةٌ من صُنعِ العلمِ المسيحيّ، لا سندَ لها في الوثائق».[7]

نصٌّ من المصادر ” إنَّ «يَمْنِيا» و«سنةَ ٩٠» يُمثِّلانِ راحةً منهجيّة، لا نتيجةً قاطعة… فالحديثُ عن «يَمْنِيا ٩٠» يخلقُ انطباعًا زائفًا بأنَّ مؤتمرًا على النمطِ الحديثِ قد عُقِد، بمندوبينَ يتناقشونَ في جدولِ الأعمالِ ثم يُصوِّتونَ ويُقرِّرون. أمّا القانونُ فكانَ تطوُّرَ آراءٍ تلاقتْ عبرَ عقود.[8]

صموئيل ساندمِل (Samuel Sandmel)، مؤرِّخٌ يهوديّ

فإذا كانتِ الفكرةُ بهذه المتانةِ المزعومة، فلماذا لا نعثرُ لها في المصادرِ القديمةِ على أثرٍ واحدٍ مباشر؟

ثانيًا: نصٌّ واحدٌ يتيم — ماذا تقولُ المصادرُ فعلًا؟

هنا تبدأُ المفاجأةُ الحقيقيّة. فلا يوسيفوس (Josephus) المؤرِّخُ اليهوديُّ يعرفُ شيئًا عن «مَجمعِ يَڤْنِه»، ولا الأدبُ المسيحيُّ القديمُ يذكرُه. نحنُ مُعتمِدونَ كلِّيًّا على المصادرِ الحاخاميّة، وفيها نصٌّ واحدٌ مبكِّرٌ فقط — هو مِشناه «يَدايم» ٣: ٥ — يذكرُ نقاشًا حولَ أسفارٍ كتابيّةٍ في يَڤْنِه.[9] بلْ إنَّ يوسيفوسَ نفسَه، وهو يكتبُ نحوَ ٩٠م — أي في التوقيتِ المفترَضِ للمَجمع — يتحدَّثُ عن اثنينِ وعشرينَ سِفرًا لليهودِ «مُعتمَدةً باستحقاق»، ويؤكِّدُ قِدَمَها: «فمعَ أنَّ دهورًا طويلةً قد مضتْ، لم يجرؤْ أحدٌ على أن يَزيدَ حرفًا أو يَحذِفَ أو يُبدِّل».[10] فوعيُ اليهودِ بقانونِهم قائمٌ قبلَ يَڤْنِه وبمعزلٍ عن أيِّ مَجمع.

ثم إنَّ هذا النصَّ اليتيمَ نفسَه ليس محضرَ اجتماعِ مَجمع، ولا يُشبِهُ ذلك في شيء. إنه لا يُناقِشُ سوى مسألةٍ واحدة: هل «سفرُ نشيدِ الأنشاد» و«سفرُ الجامعة» يُنجِّسانِ الأيدي؟ ولا يذكرُ قائمةً بالأسفار، ولا قرارًا بالرفضِ أو القبول. والنصُّ يصفُ المكانَ بأنه «يَشيفا» (مدرسة) أو «مجلسٌ» من اثنينِ وسبعينَ شيخًا — لا «مَجمعًا» بالمعنى الكنسيِّ للكلمة. بلْ إنَّ الحاخامَ عقيبا، الذي تُنسَبُ إليه أبرزُ العباراتِ في النصّ، إنّما يظهرُ فيه مُعلِّقًا متأخِّرًا على ما جرى، لا شاهدًا حاضرًا ولا واحدًا من الشيوخِ الاثنينِ والسبعين.[11]

نصٌّ من المصادر ” قالَ الحاخامُ عقيبا: حاشَ لله! ما جادلَ أحدٌ في إسرائيلَ في أنَّ نشيدَ الأنشادِ يُنجِّسُ الأيدي؛ فإنَّ العالَمَ كلَّه لا يعادلُ اليومَ الذي أُعطِيَ فيه نشيدُ الأنشادِ لإسرائيل؛ فكلُّ الكتاباتِ قُدسٌ، وأمّا نشيدُ الأنشادِ فقُدسُ أقداس.[12]

مِشناه يَدايم ٣: ٥
💡 الفكرةُ الأساسيّةالنصُّ الوحيدُ الذي يُستشهَدُ به لإثباتِ «إغلاقِ القانون» لا يذكرُ قائمةً بالأسفارِ ولا قرارًا مُلزِمًا، بل جدلًا حولَ سِفرين اثنين — بل يشهدُ عقيبا أنَّ الخلافَ لم يكنْ حولَ النشيدِ أصلًا، وإنما حولَ الجامعةِ وحدَها.

ثالثًا: «تُنجِّسُ الأيدي» — مصطلحٌ أُسِيءَ فهمُه

يقومُ «الإجماعُ» القديمُ كلُّه على مطابقةٍ صامتةٍ خطيرة: أنَّ عبارةَ «يُنجِّسُ الأيدي» تعني «قانونيّ». وهذه المطابقةُ هي مَقتلُ النظريّة. فأوّلًا، لفظةُ «قانون» بمعناها الحديثِ لا تظهرُ إلّا من القرنِ الرابعِ الميلاديّ، والأدبُ الحاخاميُّ لا يعرفُ المصطلحَ أصلًا.[13] وثانيًا، حينَ نتتبَّعُ عبارةَ «تُنجِّسُ الأيدي» في مواضعِها، نجدُها تتعلَّقُ بالطبيعةِ المادّيّةِ للَّفيفةِ المقدّسة: فاللَّفيفةُ لا «تُنجِّسُ الأيدي» إلّا إذا كُتِبتْ بالخطِّ الأشوريِّ (المربَّع)، على جِلد، وبالحِبر.[14] بلْ إنَّ الحاخامَ شمعونَ بن مِناسيا يربطُها صراحةً بالوحيِ لا بالقانون: «نشيدُ الأنشادِ يُنجِّسُ الأيدي لأنه قِيلَ بالروحِ القُدُس، والجامعةُ لا تُنجِّسُ الأيدي لأنها حكمةُ سليمانَ فحسب».[15] فالمسألةُ مسألةُ قداسةٍ ووحي، لا مسألةُ لائحةٍ رسميّة.

والأمرُ نفسُه يصدُقُ على مصطلحٍ آخرَ طالما أُسِيءَ فهمُه، وهو الفعلُ العبريُّ «چاناز» — أي «خبَّأ» أو «أخفى». لقد ظُنَّ أنه يعني «أعلنَ اللاقانونيّة» أو «استبعدَ من القانون». لكنَّ الباحثينَ بيَّنوا منذ زمنٍ أنَّ كتبَ الأبوكريفا لا تُسمّى قطُّ «الأسفارَ المخبوءة»، وأنَّ الفعلَ إنما يُستعمَلُ في بعضِ أسفارِنا القانونيّةِ المعروفةِ ذاتِها؛ حتى إنَّ لَفيفةَ توراةٍ اتَّسختْ يُقالُ إنها «خُبِّئت».[16] فلا الفعلُ يعني الطردَ من القانون، ولا العبارةُ تعني الإدراجَ فيه. وبهذا ينهارُ الأساسُ اللغويُّ الذي بُنِيتْ عليه النظريّةُ برُمَّتِها.

ما تقولُه الأسطورةما تُظهِرُه المصادر
مَجمعٌ رسميٌّ انعقدَ نحوَ سنةِ ٩٠م«يَشيفا» ومجلسُ شيوخٍ لا مَجمَع؛ ولا وجودَ لأيِّ محضرِ اجتماع
حسَمَ قائمةَ الأسفارِ الأربعةِ والعشرينلا قائمةَ للأسفارِ في أيِّ مصدرٍ يهوديٍّ قبلَ التلمودِ البابليّ (بابا بترا ١٤ب–١٥أ)
رفَضَ الأبوكريفا (سيراخ، المكابيّون…)لا نصَّ يذكرُ استبعادَ الأبوكريفا في يَڤْنِه؛ بل يُقتبَسُ سيراخ ثلاثَ مرّاتٍ ككتابٍ مقدَّس
أغلقَ القانونَ إغلاقًا نهائيًّاالجدلُ حولَ الجامعةِ والنشيدِ وأستيرَ استمرَّ قرونًا بعدَ يَڤْنِه
كانَ إجراءً مضادًّا للمسيحيّةلا يمكنُ إثباتُ أيِّ توجُّهٍ مضادٍّ للمسيحيّةِ في مسألةِ الأسفار
ناقشَ أسفارًا كثيرةً وحدَّدَ مصيرَهالم يُذكَرْ صراحةً سوى سِفرَيِ الجامعةِ ونشيدِ الأنشاد

جدولٌ (١): موازنةٌ بينَ الروايةِ الشائعةِ ومعطياتِ المصادر — استنادًا إلى لويس وشتيمبرجر وماكدونالد وليختستون.

رابعًا: الجدلُ لم يُغلَق — يَڤْنِه خطوةٌ لا خاتمة

ولو كانَ يَڤْنِه قد «أغلقَ» القانون، لتوقَّفَ الجدلُ بعدَه. والواقعُ عكسُ ذلك تمامًا. فالنقاشُ حولَ الجامعةِ ونشيدِ الأنشادِ استمرَّ طويلًا: فالحاخامُ شمعونُ بن مِناسيا في النصفِ الثاني من القرنِ الثاني يعارضُ الرأيَ السائد، والحاخامُ يهودا (رَبّ) في القرنِ الثالثِ يُبقي المسألةَ مفتوحة.[17] بلْ إنَّ سفرَ أستيرَ ظلَّ موضعَ جدلٍ إلى القرنِ الثالث، حينَ جادلَ رَبّ يهودا باسمِ صموئيلَ في أنَّ أستيرَ لا يُنجِّسُ الأيدي.[18] وأمّا حزقيالُ فقد نُوقِشَ أمرُه قبلَ يَڤْنِه أصلًا، حينَ أنفقَ حَنَنيا بن حِزقيّا ثلاثَمِئةِ جَرّةٍ من الزيتِ في التوفيقِ بينَه وبينَ التوراة.[19] فالنقاشُ لا يبدأُ في يَڤْنِه ولا ينتهي بها.

من هنا انقسمَ الباحثونَ المعاصرونَ في مسألةِ متى وكيفَ تكوَّنَ القانونُ العبريّ، إلى ثلاثةِ معسكراتٍ رئيسة:

المعسكرالموقفأبرزُ أصحابِه
القانونُ المبكِّرالقانونُ (بأجزائِه) أُغلِقَ قبلَ يَڤْنِه بزمنٍ طويللايمان، بيكويث
الإجماعُ التقليديّمَجمعُ يَڤْنِه (٩٠م) أغلقَ القسمَ الثالثَ (الكتابات)جراتس، بول، رايل، فايفر
العمليّةُ التدريجيّةلا مَجمعَ ولا إغلاق؛ بل تبلوُرٌ طويلٌ «من أسفل»شتيمبرجر، لويس، ليختستون، ماكدونالد

جدولٌ (٢): معسكراتُ البحثِ الثلاثةُ في مسألةِ تكوُّنِ القانون — تصنيفٌ مبنيٌّ على ليختستون وماكدونالد.

والذي يحسِمُ الأمرَ في تقديري ليس الترجيحَ بينَ رأيٍ وآخرَ بمعزلٍ عن الأدلّة، بل ما تُظهِرُه الأدلّةُ نفسُها. فحتى بيكويث (Beckwith) — وهو من أنصارِ القانونِ المبكِّر — يُلخِّصُ نتيجةَ أبحاثِ لويس ولايمان في أربعِ نقاط: أنَّ لفظَ «مَجمع» غيرُ مناسب، وأنَّ تاريخَ الجلسةِ قد يكونُ مبكِّرًا حتى ٧٥م أو متأخِّرًا حتى ١١٧م، وأنَّ النقاشَ اقتصرَ على الجامعةِ ونشيدِ الأنشاد، وأنَّ القرارَ لم يُعَدَّ مُلزِمًا لأنَّ الآراءَ المخالفةَ ظلَّتْ تُطرَحُ طَوالَ القرنِ الثاني.[20] وقد أكَّدَ ماكدونالد (McDonald) الخلاصةَ ذاتَها: أنه «لم يكنْ هناكَ قطُّ زمنٌ شكَّلَ فيه الحكماءُ الحاخاماتُ مَجمعًا للبتِّ في نطاقِ قانونِهم الكتابيّ»، وأنَّ ما حدثَ إنما كانَ بالتقليدِ والممارسةِ المعتادةِ لقراءةِ نصوصٍ في المجمعِ (السيناجوج).[21] وبعبارةِ فرانك كروس (Frank Cross) الحاسمة، فإنَّ ما جرى في يَڤْنِه «لم يكنْ مَجمعًا، وبالتأكيدِ ليس بالمعنى الكنسيِّ المتأخِّر».[22]

نصٌّ من المصادر ” في يَڤْنِه لم يُحسَمِ القانونُ نهائيًّا، بل جرتْ محاولةٌ أولى لإعلانِ قانونيّةِ سِفرَيْ نشيدِ الأنشادِ والجامعة، بعدَ نزاعاتٍ طويلةٍ سابقة… ولم يُحدَّدِ القانونُ بوصفِه تقنينًا نظريًّا موجَّهًا ضدَّ جماعةٍ بعينِها، بل تبلوَرَ تدريجيًّا وَفقَ حاجاتِ العبادةِ في المجمع؛ فـ«قانونيّ» كانَ يعني عندئذٍ «صالحًا للاستعمالِ في العبادة».[23]

بيتر شيفر (Peter Schäfer)، عالمُ يهوديّات

نصٌّ من المصادر ” ما كانَ لقرارٍ واحدٍ في مجلسِ الحكماءِ أن يطبعَ سِفرًا ما بخاتَمِ القداسة، ما لم يكنْ هذا التقديرُ قائمًا سلفًا في المَيلِ العامِّ للشعب… لقد كانتْ عمليّةَ تقديسٍ وتقنين، حامِلوها الأساسيّونَ هم جماهيرُ الشعبِ العريضة، وبُعدُها الجوهريُّ هو الزمن.[24]

مِناحيم هاران (Menahem Haran)، باحثٌ في تكوُّنِ القانون

خاتمة: رأيي ورؤيتي المنهجيّة

خلاصةُ ما أراه، وأقولُه مباشرةً: إنَّ «مَجمعَ يَڤْنِه» لم ينعقدْ قطُّ — على الأقلِّ لا بالصورةِ التي تتخيَّلُها الكتبُ المدرسيّة. إنه بناءٌ حديثٌ، وُلِدَ من إسقاطِ النموذجِ المَجمعيِّ المسيحيِّ (نيقية، تِرِنت) على واقعٍ يهوديٍّ كانَ يعملُ بمنطقٍ مختلفٍ تمامًا. أيًّا ما جرى في يَڤْنِه، فلم يكنْ مَجمعًا، ولا إغلاقًا للقانون، ولا إجراءً مضادًّا للمسيحيّة؛ كانَ — في أقصى تقدير — نقاشًا حولَ سِفرين متنازَعٍ عليهما، ضِمنَ عمليّةٍ أطولَ بكثير.

أمّا رؤيتي المنهجيّة فأصوغُها هكذا: إنَّ الكتابَ العبريَّ لم يُغلَقْ بقرارٍ فوقيٍّ في يومٍ واحد، بل تبلوَرَ «من أسفل»، عبرَ عمليّةٍ طويلةٍ حامِلُها الأوّلُ هو الجماعةُ المؤمنةُ في استعمالِها الحيِّ لكتبِها، وبُعدُها الجوهريُّ هو الزمن. والدرسُ الأعمقُ الذي أخرجُ به هو درسٌ في نقدِ أدواتِنا نفسِها: علينا ألّا نُسقِطَ مقولاتِنا المؤسَّسيّةَ — «المَجمع»، و«التصويت»، و«القرارِ المُلزِم» — على واقعٍ قديمٍ غريبٍ عنها. فحينَ نتحرَّرُ من عدسةِ «المَجمع»، لا نخسرُ شيئًا من التاريخِ الحقيقيّ؛ بل نستردُّه على حقيقتِه، أغنى وأصدق.

نصٌّ من المصادر ” لا يوجدُ مفهومٌ واضحٌ للقانونِ في اليهوديّةِ الحاخاميّة… ولا يوجدُ ما يدلُّ على أنَّ قانونًا للأسفارِ الكتابيّةِ قد حُدِّدَ من فوقُ في العصرِ الحاخاميّ؛ بل نما القانونُ «من أسفلُ»، وكانَ قبولُ الشعبِ المؤمنِ لأسفارٍ بعينِها عاملًا حاسمًا: لا قراراتٌ منفردة، بل عمليّةٌ طويلةٌ أفضتْ في النهايةِ إلى تحديدِ مجموعةٍ من الأسفارِ المقدَّسة.[25]

جونتر شتيمبرجر (Günter Stemberger)، عالمُ يهوديّات

المراجع

Beckwith, Roger T. The Old Testament Canon of the New Testament Church and Its Background in Early Judaism. Grand Rapids: Eerdmans, 1985.

Lewis, Jack P. “Jamnia Revisited.” In The Canon Debate, edited by Lee Martin McDonald and James A. Sanders, 146–162. Peabody, MA: Hendrickson, 2002.

Lightstone, Jack N. “The Rabbis’ Bible: The Canon of the Hebrew Bible and the Early Rabbinic Guild.” In The Canon Debate, edited by Lee Martin McDonald and James A. Sanders, 163–184. Peabody, MA: Hendrickson, 2002.

McDonald, Lee Martin. The Formation of the Biblical Canon, Volume 1: The Old Testament: Its Authority and Canonicity. London: T&T Clark, 2017.

Schäfer, Peter. “Die sogenannte Synode von Jabne: Zur Trennung von Juden und Christen im ersten/zweiten Jh. n. Chr.” Judaica 31 (1975): 54–64, 116–124.

Stemberger, Günter. “Jabne und der Kanon.” Jahrbuch für Biblische Theologie 3 (1988): 163–174.


[1] «يَڤْنِه» (بالعبريّةِ יַבְנֶה، Yavneh): بلدةٌ في يهوذا. يظهرُ اسمُها في المصادرِ اليونانيّةِ في صورةِ Ἰάμνια (Iamnia)، وعنها جاءتِ التسميةُ اللاتينيّةُ والإنجليزيّةُ الشائعةُ Jamnia؛ أمّا الاسمُ العربيُّ المعروفُ للموقعِ فهو «يَبْنَى». وقد آثرتُ في هذا العملِ اعتمادَ النطقِ العبريِّ «يَڤْنِه»، تمييزًا له عن الصيغةِ اليونانيّةِ «يَمْنِيا» التي شاعَ بها في الدراساتِ الغربيّةِ اسمُ «مَجمعِ يَمْنِيا».

[2] الفرضيّةُ ترجعُ إلى جراتس (١٨٧١)؛ انظر تلخيصَها والأصلَ في:

Roger T. Beckwith, The Old Testament Canon of the New Testament Church (Grand Rapids: Eerdmans, 1985), 276; H. Graetz, Kohelet oder der salomonische Prediger (Leipzig: Winter, 1871), 147–174.

[3] Jack P. Lewis, “Jamnia Revisited,” in The Canon Debate, ed. Lee Martin McDonald and James A. Sanders (Peabody, MA: Hendrickson, 2002), 147.

[4] Lewis, “Jamnia Revisited,” 148–149.

[5] أورده لويس (ص ١٤٩)، والاقتباسُ الأصليُّ من:

Robert H. Pfeiffer, Introduction to the Old Testament (New York: Harper, 1941), 64.

[6] أورده لويس (ص ١٥٩)، مستندًا إلى:

D. E. Aune, “On the Origins of the ‘Council of Javneh’ Myth,” Journal of Biblical Literature 110 (1991): 491–493.

[7] العبارةُ من الآتي، وقد أوردها لويس (ص ١٥٢):

J. Blenkinsopp, Prophecy and Canon (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1977), 3.

[8] أورده لويس (ص ١٥٢)، عن:

Samuel Sandmel, The Hebrew Scriptures: An Introduction to Their Literature and Religious Ideas (New York: Knopf, 1963), 14 n. 6.

[9] Lewis, “Jamnia Revisited,” 153; Lee Martin McDonald, The Formation of the Biblical Canon, Volume 1 (London: T&T Clark, 2017), 375–376.

[10] يوسيفوس، «ضدّ أبيون» (Contra Apionem) ١: ٤٢؛ أورده لويس (ص ١٦٠).

[11] Jack N. Lightstone, “The Rabbis’ Bible: The Canon of the Hebrew Bible and the Early Rabbinic Guild,” in The Canon Debate, 176; Lewis, “Jamnia Revisited,” 158.

[12] المِشناه: أقدمُ مُدوَّنةٍ للشريعةِ الشفويّةِ اليهوديّة (دُوِّنتْ نحوَ ٢٠٠م)، ومَبحثُ «يَدايم» (יָדַיִם، أي «الأيادي») يتناولُ طهارةَ الأيدي. والنصُّ الأصليُّ لمِشناه يَدايم ٣: ٥:

אָמַר רַבִּי עֲקִיבָא: חַס וְשָׁלוֹם! לֹא נֶחְלַק אָדָם מִיִּשְׂרָאֵל עַל שִׁיר הַשִּׁירִים שֶׁלֹּא תְטַמֵּא אֶת הַיָּדַיִם, שֶׁאֵין כָּל הָעוֹלָם כֻּלּוֹ כְּדַאי כַּיּוֹם שֶׁנִּתַּן בּוֹ שִׁיר הַשִּׁירִים לְיִשְׂרָאֵל, שֶׁכָּל הַכְּתוּבִים קֹדֶשׁ, וְשִׁיר הַשִּׁירִים קֹדֶשׁ קָדָשִׁים.

والترجمةُ العربيّةُ أعلاه عن نصِّ ليختستون الإنجليزيِّ («The Rabbis’ Bible»، ص ١٧٦).

[13] انظر (القسمُ الثالث):

Günter Stemberger, “Jabne und der Kanon,” Jahrbuch für Biblische Theologie 3 (1988): 167–168.

[14] مِشناه يَدايم ٤: ٥–٦؛ أورده لويس (ص ١٥٧).

[15] توسيفتا يَدايم ٢: ١٤؛ أورده لويس (ص ١٥٧). وانظر:

Stemberger, “Jabne und der Kanon,” 165.

[16] Lewis, “Jamnia Revisited,” 157, citing G. F. Moore and G. Wildeboer.

[17] Lewis, “Jamnia Revisited,” 154; Peter Schäfer, “Die sogenannte Synode von Jabne,” Judaica 31 (1975): 119.

[18] Lewis, “Jamnia Revisited,” 156.

[19] المرجعُ نفسُه، ص ١٥٥.

[20] Beckwith, The Old Testament Canon, 276.

[21] McDonald, The Formation of the Biblical Canon, 373–375.

[22] أورده لويس (ص ١٦١–١٦٢)، عن:

Frank M. Cross, “The Text Behind the Text of the Hebrew Bible,” in Understanding the Dead Sea Scrolls, ed. Hershel Shanks (New York: Random House, 1992), 152–154.

[23] رأيُ بيتر شيفر؛ انظر خلاصتَه (الأطروحتانِ الرابعةُ والسادسة):

Schäfer, “Die sogenannte Synode von Jabne,” 121–122.

[24] أورده شتيمبرجر (ص ١٧٤، حاشية ٣١)، عن:

Menahem Haran, “Problems of the Canonization of Scripture” (Hebrew), Tarbiz 25 (1955): 258.

[25] خلاصةُ شتيمبرجر؛ انظر:

Stemberger, “Jabne und der Kanon,” 173–174.

التعليقات والردود

6 تعليقات على “المَجمعُ الذي لم يَنعقِد”

  1. يقول Raafat Gad:

    جميل جدا المقال. الرب يباركك

    1. يقول د. كيرلس بشرى:

      شكرًا أستاذ رأفت

  2. يقول Nancy Botros mekhael:

    رائع جدا المقال

    1. يقول د. كيرلس بشرى:

      شكرًا يا نانسي

  3. يقول Shnouda Youssef:

    كدا اليهود رفضو الاسفار القانونية الثانيه امتي ؟

    مقال رائع ربنا يباركك

    1. يقول د. كيرلس بشرى:

      مافيش حاجة اسمها اليهود رفضوا الاسفار القانونية امتى .. مافيش وقت معين بل كان في أصلا حوارات ومناقشات حولين بعض الاسفار لحد ما جاه الوقت اللي استقرت فيه الجماعة على القانون الحالي – يمكن مع ظهور المخطوطات وتكونها في القرن التاسع والعاشر بدأ الموضوع يبقى أكثر استقرارًا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *